محمد بن عبد الله الصفار

99

رحلة الصفار إلى فرنسا

محمولا على متن عربة القطار ، فقال بأنه : « يسير . . . سيرا لم يعهد مثله في الإسراع يكاد أن يساير الطير في الهواء . . . وكنا ننظر إلى جوانب الطريق فلا نرى ما فيها من الأحجار أو غيرها إلا كأنها خيوط متصلة ذاهبة معنا ، ولا نحقق الحجر ولا غيره » « 1 » . إن هذه الإشارة إلى الشعور بالطيران لم تكن أمر مقصورا على الرحالة المسلمين دون غيرهم ، لأن الرحالة الأوربيين استعملوا أيضا تعبيرا مماثلا على وجه التقريب عند حديثهم عن ركوب القطار للمرة الأولى ؛ وهو شعور يفقد عنصري الزمان والمكان قوتيهما المعهودتين لدى الشخص ، لأن الرحلة التي كان من المفروض أن تستغرق في المغرب أياما معدودة قد تمت في ساعتين ونصف فقط . إننا نعرف جيدا أن تصور فكرتي الزمان والمكان وكذا العلاقات القائمة بينهما ، من الأمور المحددة ثقافيا ؛ كما أننا نعرف أيضا أنه من الممكن الاستئناس بتلك العلاقات عن طريق التجربة المتكررة . وكانت تلك هي الحالة عند ركوب القطار الذي أصبح في آخر الأمر من الأشياء الروتينية سواء عند الغربيين أم عند غيرهم . وما تتميز به حالة محمد الصفار أنها تجعلنا حاضرين بين أحضان الجديد ومعايشين للحدث في حالته الخالصة من أي مشاعر أو معرفة مسبقة لعناصره . وتحتوي الرحلة على أمثلة دقيقة وأساسية أخرى عن العلاقات القائمة بين عنصري الزمان والمكان . وقد انتقل الصفار ، أثناء وجوده في فرنسا ، من عالم يقاس فيه الزمن بطقوس العبادات إلى عالم يقاس فيه العنصر نفسه ، وفي غالبية الأحيان ، بالحركات الميكانيكية لعقارب الساعة . وفي المغرب ، كما هو الحال أيضا في جميع بلدان العالم الإسلامي ، فإن إيقاع اليوم تتحكم فيه أوقات الصلاة ومواعيدها . إذ يستيقظ المرء ليصلي صلاة الصبح ، ويتناول وجبة الغذاء بعد صلاة الظهر ، ثم ينهي نهاره بأداء صلاة العشاء . وكان إيقاع الحياة الإسلامية بكل مظاهرها يسير في عالم الذكور وفقا لأوقات محددة تتحكم فيها مواعيد الصلاة ، سواء أتعلق الأمر بإبرام عقود وصفقات أم تعلق بتحديد لقاءات أو ما شابه ذلك . وبعبارة أخرى ، كان تذكير المرء بأوقات اليوم وساعاته يتم دائما بواسطة نداء المؤذن المنبعث من صوامع المساجد . وبذلك كان إيقاع مواقيت الصلاة أدق وسيلة توقيت يمكن أي يطمئن لها المسلم ، كما يطمئن سكان العاصمة البريطانية لندن لساعة بيك بن الشهيرة .

--> ( 1 ) انظر الصفحات اللاحقة من هذا الكتاب .